
لم يكن السهر مجرد غياب للنعاس بل كانَ رحلة شاقة في دروبِ الماضي حيث تتجسد صورها أمامَ عيني كشبحٍ جميل وابتسامتها تومض كذكرى بعيدة وصوتها يتردد في أذني كصدى حزين أين أنتيِ يا أمي؟ أين دفء حضنكِ الذي كانَ يمحو كل الأحزان أين يدكِ الحانية التي كانت تمسح على رأسي في كلِ لحظةٍ، يعود بي الزمن إلى زمنٍ كنت فيهِ معكِ إلى أيامٍ مضت وولّت أيام كنتِ فيها شعلة الأملِ ونبع الحنانِ تذكرت نصائحكِ التي كانت كالشمسِ تضيء دربي تذكرت دعاءكِ الذي كانَ يحميني من شرورِ الدنيا تذكرت تضحياتكِ التي لا تحصى ولا تجزى كيفَ لا أسهر وأنا أفكر فيمن كانت حياتها وقفة للإخلاصِ والعطاء أمي يا من احتضنتني في رحمك ورعتني بقلبكِ الكبير وسقتني من بحرِ حنانكِ يا من كنتِ لي الملاذَ في أوقاتِ الشدةِ والصديقةَ في لحظاتِ الفرحِ يا من كنتِ البلسمَ الشافي لجراحي والنجمةَ الهاديةَ في سمائي في وحدتي أبحث عنكِ في كلِ زاوية أتلمس أثركِ في كلِ شيء أتخيل صوتكِ يناديني وأرى طيفكِ يمر أمامي ولكنه سرعانَ ما يختفي تاركا إياي مع وحشة الفقد وألمِ الغياب أشتاقُ إلى رؤيةِ عينيكِ التي كانت تعكس لي الدنيا بأجملِ صورها أشتاق إلى سماعِ صوتكِ الذي كانَ يهدئ من روعي أشتاق إلى لمسةِ يدكِ التي كانت تشعرني بالأمان رحلتِ وتركتِ خلفكِ فراغا لا يمكن أن يملأه أحد وحزنا عميقا لا يزول هذا السهر ليسَ سهر قلقٍ بل هو سهر شوقٍ وحبٍ لا ينتهي سهر يجعلني أدرك قيمةَ هذهِ الروحِ الطاهرةِ التي انتقلت إلى جوارِ ربها سهر يجعلني أتوق إلى لقائكِ في جناتِ النعيمِ في خضمِ هذهِ الأفكارِ يتسلل إلى قلبي دعاء صادق: اللهمَّ ارحمْ أمي رحمةً واسعةً، وأسكنها فسيحَ جناتكَ، واجعلْ قبرها روضةً من رياضِ الجنةِ. هي أغلى ما فقدت وهي أغلى إنسانٍ كان ينبض في قلبي مع بزوغِ خيوطِ الفجرِ الأولى لا أجد إلا دمعة حارة تنساب على خدي تحمل معها كلَ مشاعرِ الشوقِ والحبِ والألمِ. ورغمَ الوحدةِ إلا أنَّ قلبي يمتلئ باليقينِ بأن حبها سيبقى خالدا في ذاكرتي وسيظل ذكرى جميلة تسكن روحي إلى الأبد.